لام شمسية.. الحقيقة الثقيلة
في طابور أحد محلات الألعاب الشهيرة وفي وقفة عيد الفطر وقفتُ في الصفّ الذي يتحرك ببطء وأمامي أب وأم وطفلة صغيرة لا تتعدى 4 سنوات، لاحظتُ أن الطفلة تنظرُ إليّ ثم تختبئ في ملابس أمِّها فأحببتُ اللعبة وأصبحتُ أفاجئها مرة من اليمين ومرة من اليسار وهي تضحك وتحتضن ساق أمها لتختبئ حتى لاحظ أبوها اللعبة فأمسك بذراعها وجذبها إلى الناحية المعاكسة بعيدًا عنّي ونظر لي بغضب ثم أصبح يراقبني بحذر.
ربما كنتُ أستاء وأتعجّب من ردّة فعله المبالِغة في سياق آخر، ولكنني أعلم أن الجو حولنا جميعًا مستثار ومستَفَزّ بعد حوادث هتك العِرض والاغتصاب التي سبقت شهر رمضان ثم أتبعها مسلسل "لام شمسية" ليضعنا جميعًا أمام تهديد مجتمعي يتضاخم على نطاقات متفرّقة، فأتى به فريق "لام شمسية" ليضعه أمام أعيننا أقرّ مَن أقرّ وأنكَر مَن أنكَر.
والحقيقة أن الشهادات الفعلية التي امتلأت بها مجموعات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك (وشهادات أخرى سمعتها من صديقات لي أثناء عرض المسلسل) تؤكد أن عدد مَن تعرَّضوا لحوادث تحرُّش من أفراد "موثوقين" ومُقرَّبين للعائلة ربما يفوق ما توقّعه صُنّاع المسلسل أنفسهم؛ بخلاف رأي واحد صادفته يهاجم المسلسل ويهاجم فكرة أن هناك تحرُّشا جنسيا بالأطفال ويؤكد على استحالة حدوثه من الأشخاص المقربين للأهل وأصدقاء العائلة! وهذا أيضًا مفهوم إذ أن هناك نفسيات لا تقتنع بحدوث شيء ما مادامت لم تكن جزءا من مثلث حدوثه: إما فاعل وإما مفعول به وإما شاهد عيان، ويزيد اقتناعهم باستحالة حدوثه بقدر ابتعادهم عن هذا المثلث.
المميز في "لام شمسية" أنه عمل واقعي بعُمق، وربما يكون واقعيًا لدرجة الإنكار؛ إنكار من باب استحالة أن يكون الخطر قريبًا ويقفُ على أبوابنا على هذا النحو. حتّى السمات النفسية والشخصية لأبطال العمل كانت واقعية بغير تزيين أو تحسين للحقائق ولا حتى من باب "مصيبة واحدة تكفي ولنُركِّز على الهدف الكبير". كان واقعيًا ردّ فعل الأب الغارق في احتياجاته الماديّة على حساب المشاعر والاعتبارات المعنوية، لذلك بمدّ خيوط الشخصية على استقامتها كان ردّ الفعل الطبيعي أن ينكر هذا الأب أي ظنّ أو اتهام لا يوجد عليه دليل مادي ملموس. ارتباك الطفل يوسف وتردده وارتباطه بمشاعر حب حقيقية تجاه شخص يمثِّل له أبًّا ثانيًا يحنو عليه ويعوّض غياب الأب الحقيقي دون أن تسعفه قدراته النفسيّة البسيطة لكي يصنِّف تصرفات هذا الشخص تجاهه على حقيقتها. دور أم المتحرِّش الذي لعبته الفنانة صفاء الطوخي، كان واقعيًا تمامًا بحيث تنكر الاتهام الموجّه لابنها، ليس لكونه رجلًا عظيمًا أو شخصًا طاهرًا بل لكونه ابنها، ومن هذا المنطلق كان دفاعها عن صورة المَدْرَسة التي تمتلكها أمام أولياء الأمور بعدما ظنوا أن واقعة التحرش حدثت داخل أسوار المدرسة، ومن هذا المنطلق أيضًا لم تفتح لولدها الجاني باب المغفرة حين جاءها يبكي وتركته واقفًا على باب بيتها دون تعاطف، فالأم تضعف وتخضع أمام ولدها وإن كان مخطئًا بل وقاتلًا لكن هذه الأم بها قسوة مهّدت لها الكاتبة مريم نعوم بأن جعلتها تترك ابنها صغيرًا يعيش مع أب سادي كما وصفه الابن المتحرش كي تسافر الأم لتحقيق أحلام شخصية.
كل هذه الخيوط نسجها صُنّاع العمل ببراعة دون الالتفات إلى "ما يجب أن تكون عليه ردود الأفعال"، بل كان الواقع المؤلم هو البطل في هذه الحكاية من الحلقة الأولى للأخيرة وكان مربع العلاقات هذا مربعًا مثاليًا لوقوع الجريمة؛ حيث إن تَغيُّر ضلع واحد من هذه الأضلاع كان كفيلًا بعدم الوصول لنقطة الذروة هذه.
توقَّعتُ -مثل الكثيرين- أن وضع نشيد اسلمي يا مصر في ختام المسلسل كان لأسباب رقابية وهو ما نفاه الأستاذ عبد الرحيم كمال رئيس الوحدة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية. والنفي يبدو منطقيًا للأمانة إذ لا مكان للنشيد الوطني في هذا العمل إلا إذا كان صُنّاعُه يعتقدون في دواخلهم أنهم يقومون بعمل وطني يحمي أبناء وطنهم من خطر حقيقي يهدد السلام المجتمعي، وإن كان ظنِّي صحيحًا فهو الشيء السلبي الوحيد في المسلسل. القضية التي طرحها المسلسل قضية اجتماعية إنسانية تصلح للتطبيق في أي مجتمع وعلى أي جماعة من البشر، وحين يتم ترجمة هذا العمل إلى لغات أجنبية (وهو ما أثقُ في حدوثه) لن يكون هناك أي معنى لتذييل المسلسل بنشيد "اسلمي يا مصر"، ماذا لو كنا نتحدث عن أطفال كينيا مثلا؟ ألا يستحق أطفال كينيا أن يَسلَموا في كل حين ومن كل شر؟ الدمج والخلط بين تصحيح الأفكار المجتمعية عن طريق الفنون وبين تنمية الحِسّ الوطني هو أحد الآفات التي تُقنِّن دور الفنّ وتحدّه بنطاق جغرافي، والفن أوسع من ذلك وأشمل، وإلا ماذا عن بقية الأطفال المهددين بالتحرش في كل مكان بالعالم؟ هل رسالتنا الفنيّة التوعوية تتضمنهم أم لا؟
في النهاية؛ لام شمسية واحد من أهم الأعمال الفنيّة الواقعية التي يعوَّل عليها إحداث تغيير مجتمعي حقيقي ونهضة سلوكية بل وتحركات برلمانيّة وتصعيد للعقوبات الجنائية وسنّ قوانين خاصّة مثله في ذلك مثل فيلم "أريدُ حلًا" ومسلسل "تحت الوصاية" على سبيل المثال، ويبدو أن هذه التحركات بدأت بسلسلة الاعترافات التي كتبها شباب وشابات تعرضوا للتحرش في طفولتهم وقرروا أن يتحدثوا عن تجربتهم وبالتأكيد لن يسمحوا لأن يطال هذا التهديد أطفالهم. فالشكر موصول للكاتبة مريم نعوم والمخرج كريم الشناوي وفريق العمل كاملًا وبالأخص الطفل الموهوب "علي البيلي" وأسرته الشجاعة التي تشارك بوعي في هذا التغيير المجتمعي وهذه المسؤولية لتوفير بيئة آمنة يستحقها كل طفل.